ابن كثير

71

البداية والنهاية

ذلك يجزل عطاء من يعرب كلامه وينقص عطاء من يلحن فيه ، فتسارع الناس في زمانه إلى تعلم العربية . قال عبد العزيز يوما إلي رجل : ممن أنت ؟ قال : من بنو عبد الدار ، فقال : تجدها في جائزتك ، فنقصت جائزته مائة دينار . وقال أبو يعلى الموصلي : حدثنا مجاهد بن موسى ، ثنا إسحاق بن يوسف أنبأنا سفيان ، عن محمد بن عجلان ، عن القعقاع بن حكيم قال : كتب عبد العزيز بن مروان إلى عبد الله بن عمر : ارفع إلي حاجتك . فكتب إليه ابن عمر : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " اليد العليا خير من اليد السفلى وابدأ بمن تعول " . ولست أسألك شيئا ولا أرد رزقا رزقنيه الله عز وجل منك . وقال ابن وهب : حدثني يحيى بن أيوب عن يزيد بن أبي حبيب عن سويد بن قيس قال : بعثني عبد العزيز بن مروان بألف دينار إلى ابن عمر قال : فجئت فدفعت إليه الكتاب فقال : أين المال ؟ فقلت : لا أستطيعه الليلة حتى أصبح ، قال : لا والله لا يبيت ابن عمر الليلة وله ألف دينار ، قال : فدفع إلي الكتاب حتى جئته بها ففرقها رضي الله عنه . ومن كلامه رحمه الله : عجبا لمؤمن يؤمن ويوقن أن الله يرزقه ويخلف عليه ، كيف يحبس مالا عن عظيم أجر وحسن ثناء . ولما حضرته الوفاة أحضر له مال يحصيه وإذا هو ثلاثمائة مد من ذهب ، فقال : والله لوددت أنه بعر خائل بنجد ، وقال : والله لوددت أني لم أكن شيئا مذكورا ، ولوددت أن أكون هذا الماء الجاري ، أو نباتة ( 1 ) بأرض الحجاز ، وقال لهم : ائتوني بكفني الذي تكفنوني فيه ، فجعل يقول : أف لك ما أقصر طويلك ، وأقل كثيرك . قال يعقوب بن سفيان عن ابن بكير عن الليث بن سعد قال : كانت وفاته ليلة الاثنين لثلاث عشرة ليلة خلت من جمادى الأولى سنة ست وثمانين ( 2 ) ، قال ابن عساكر : وهذا وهم من يعقوب بن سفيان والصواب سنة خمس وثمانين ، فإنه مات قبل عبد الملك أخيه ، ومات عبد الملك بعده بسنة سنة ست وثمانين . وقد كان عبد العزيز بن مروان من خيار الامراء كريما جوادا ممدحا ، وهو والد الخليفة الراشد عمر بن عبد العزيز ، وقد اكتسى عمر أخلاق أبيه وزاد عليه بأمور كثيرة . وكان لعبد العزيز من الأولاد غير عمر ، عاصم وأبو بكر ومحمد والأصبغ - مات قبله بقليل فحزن عليه حزنا كثيرا ومرض بعده ومات . وسهيل وكان له عدة بنات ، أم محمد وسهيل وأم عثمان وأم الحكم وأم البنين وهن من أمهات شتى ، وله من الأولاد غير هؤلاء ، مات بالمدينة التي بناها ( 3 ) على مرحلة من مصر وحمل إلى مصر في النيل ودفن بها ، وقد ترك عبد العزيز من الأموال والأثاث والدواب من

--> ( 1 ) في ولاة مصر 76 : كناسة . ( 2 ) وهي رواية الكندي أيضا ، وفي ابن سعد والطبري فكالأصل سنة 85 ه‍ . ( 3 ) وهي مدينة حلوان فحمل في الليل منها حلوان إلى الفسطاط ، فدفن بها ( الكندي - الأعلام للزركلي ) .